/

لبنان الموارنة الى أين

لبنان الموارنة الى أين

$14.70

كتاب الأباتي بولس نعمان: لبنان الموارنة الى أين؟ دار سائر المشرق

Description

كتاب الأباتي بولس نعمان: لبنان الموارنة الى أين؟ دار سائر المشرق

kgs 0.6  – 216 pages – 24×16.5×1 cm

مقدمة

هذا الكتاب أو هذه المجموعة من المقالات، التي ترسم تباعا ً، ومع تطور الأحداث، معاناة اللبنانيين الفكرية والوجودية، بالنسبة الى هذا السؤال حول وطن، عمل له الموارنة القدامى، كما قال الدكتور شارل مالك، بعناد وثبات واخلاص، وطن للحرية والعيش الكريم، في شرق مضطرب أبدا ً، يعيش اليوم صراعا ً مميتا ً مع ذاته. صراع قد يطال كل مكونات لبنان، بمن فيهم الموارنة، ويؤدي بهم، لا سمح الله، الى الكفر بما حققوه، وطنا ً مثالا ً للتطور الخلاق والحداثة.

في المقالات الأولى، دراسات وتحاليل تستعرض التاريخ، كيف تولدت فكرة لبنان المستقل، وكيف تطورت وتحققت، وعلى أية أسس ومبادىء خلقية وانسانية قامت، وكيف تنظم الموارنة بقيادة دينية ومدنية موحدة، وألفوا مجتمعا ً متراص البنيان. ولماذا انتقلوا من السهول في محيط نهر العاصي بالقرب من العاصمة أنطاكية، الى السهل الواسع المخصاب قرب منبع العاصي في الهرمل، ثم تسلقوا، على مراحل، الجبل اللبناني، من الأرز الى جبال بسكنتا والوديان السحيقة بينهما.

وفي الكتاب أيضا ً استعادة لما كان عليه دور البطاركة في تكوين هوية هؤلاء المهاجرين، وفي رسم الخطوط العريضة لعملهم ورسالتهم في هذه المنطقة من الشرق. وبفضل قيادة مجردة واعية، كونوا لهم حضورا ً انسانيا ً مفيدا ً وفاعلا ً، استأنس به قادة المحيط القريب، من أمراء وحكام مقاطعات، كما استهوى الغزاة والطامحين الى التوسع، من المماليك الى الفرنجة وغيرهم.

ولما نعموا بفترة من الاستقرار، ونظموا حياتهم الداخلية ومتنوا صداقاتهم مع المحيط، باخلاصهم وأمانتهم وعملهم المفيد، مدوا يدهم الى الحكام والأمراء الطامحين لى العمل المنظم والازدهار الداخلي، والراغبين في الانفتاح على القوى الخارجية، لتساعدهم على التخفيف من ثقل الكابوس العثماني على كواهلهم.

ولما لم يجد هؤلاء سوى الموارنة من يساعدهم على البنيان الداخلي وعلى الانفتاح على القوى الخارجية الفاعلة، أشركوهم في الحكم وسهلوا لهم امكانية التوسع والانتشار، واقتناء الاراضي واستصلاحها.

فبدأ الموارنة بالعمل الجاد والبناء في الحقلين، الداخلي والخارجي، بصدق وأمانة وانفتاح على التطور العلمي الحديث، فحققوا حضورا ً فاعلا ً ومفيدا ً في المحيط القريب والبعيد وعملوا بشجاعة وجرأة من أجل اهداف تختصر بثلاثة:

1- وضع الأسس لوطن تعددي منفتح على الجميع.
2- نضال مستمر في سبيل الحرية والعيش الكريم.
3- تحديث اللغة والثقافة، في تطور دائم مع الحضارة العالمية.

وقد كتب المؤرخ كمال الصليبي في وصفه للدور الذي قاموا به:

“لقد تمكنوا عبر العصور، وهم الشعب الصغير، من المحافظة على هويتهم التاريخية… كما تمكنوا، من دون تصور وتصميم، من المحافظة على حق الانسان في الحرية والعيش الكريم ومن المساهمة في خلق وطن يضمن هذا الحق لأبنائه…”

أو كما دون  الشاعر والأديب عباس بيضون في مقال له في ملحق النهار، بعنوان “من يدعو الموارنة الى التخلي عن لبنان” حيث قال:

“أعطى المسيحيون لبنان نظامه، فهم مركز الدولة والاقتصاد والسياسة والثقافة وأساليب العيش وأنماطه … وهذه جميعها تعكس علاقتهم وتفاعلهم مع المحيط والعالم… لقد تماهوا مع لبنان وتم لهم وحدهم أن يجعلوا من تاريخهم وثقافتهم تاريخا ً سائدا ً وثقافة سائدة… من الصعب بعد العودة الى ما وراء الدولة كما صاغها الموارنة، الا في دعوة الى الخلافة (أي دولة اسلامية) أو الى لبنان الصغير، لا يتبناها السلفيون أنفسهم…”

و لما تطور لبنان وتعددت طوائفه ومكوناته، طمحوا الى الاستقلال، وعندما تحقق حلم الكنيسة باعلان دولة لبنان الكبير، في أول  أيلول 1920، وبعدما أقرلهذه الدولة بدستور جعل منها جمهورية مستقلة، تخلى الموارنة عن القيادة السياسية، ولكنهم لم يستقيلوا من خدمة لبنان كما كتب كمال الصليبي في دراسته الرائعة عن “الموارنة، صورة تاريخية”:

“قامت الجمهورية، تجسد الفكرة التي نادى بها الموارنة، لتحل مكان الكنيسة المارونية في القيادة الوطنية، لذا كان من الطبيعي أن تستمر الكنيسة المارونية في اهتمامها بالشؤون اللبنانية عامة ً، والغيرة على الكيان اللبناني الذي سعت جهدها عبر القرون الى تحقيقه… الا أن الفكرة اللبنانية، وان يكن الموارنة هم الذين دعوا اليها في الأصل، تفترض مبدئيا ً ألا يكون لبنان وقفا ً على الموارنة وحدهم ، بل لجميع اللبنانيين على السواء شرط ن يتحمل الجميع مسؤولياتهم تجاه الوطن والقيم الانسانية التي يرتكز عليها…”

ثم ينهي بحثه بهذا النداء الأمنية… “والجمهورية اللبنانية التي تجمع اليوم بين اللبنانيين على اختلاف مذاهبهم ونزعاتهم تستمر، عن وعي، في حمل الرسالة التي حملها الموارنة في الماضي تلقائيا ً، وقد تأتي ظروف تسمح للبنانيين بأن ينقلوا هذه الرسالة الى غيرهم”.

ان تراجع الكنيسة عن القيادة والتخطيط كان أمرا ً طبيعيا ًن لأن المسيحيين أصبحوا جزأ ً من الوطن والدولة، وهذه كانت رغبتهم منذ البدء: انشاء دولة حديثة حسب النظم الديمقراطية المعروفة. الا أن تعدد المرجعيات السياسية، والتنافس فيما بينها، ومع التنافس تحصل المزايدات والتنازلات، عطلت النشاط السياسي المسيحي تدريجيا ً، الى أن أصبح شبه معدوم مع التدخل السوري في نهاية الحرب على لبنان سنة 1990.

كما تعمقت الأزمة بعد جريمة كنيسة الذوق في 27 شباط 1994 واخذت طابع الاستهداف المتعمد للمسيحيين، من قبل الدولة السورية والحكم التابع لها في لبنان، ليطال الاحزاب المؤمنة بلبنان، والشبيبة المناضلة، والانتخابات، واخيرا ً التطبيق الانتقائي لاتفاق الطائف. ثم أن هذا الاستهداف المباشر تعدى الأفراد والأحزاب ليطال الوطن في حريته واستقلاله واكثر مقوماته. وبدل أن يحمل تحررلبنان، من السيطرة السورية سنة 2005، الى البلد استعادة الثقة بنفسه وفرصة بلورة واطلاق مشروعه وتجربته، تبين أن البنية السياسية اللبنانية قد أصبحت متهالكة.ولم يعد من الممكن أن يتفاهم اللبنانيون على تشكيل حكومة، أو انتخاب رئيس للجمهورية، أو اقرار قانون الانتخابات النيابية، ما لم يتدخل وسيط خارجي. فيما القادة الموارنة يبدون بعيدين عن كواليس التسويات والترتيبات والسياسات المحددة للاتجاهات الرئيسية للبنان.

هنا يتساءل المخلصون للقضية اللبنانية، هل أخمدت الشعلة في نفوس اللبنانيين؟ هل تضاءلت حيوية القادة وعزيمتهم؟ هل فقدوا روح المارونية المناضلة؟حتى تقلصت مسؤليتهم عن لبنان الحر، الذي بلغ الأوج، عندما رفع الدكتور شارل مالك باسم لبنان راية حقوق الانسان في الأمم المتحدة؟

وهل فقد الشعب أيضا ً الاحساس بأنه يمثل المسيح والقيم المسيحية في هذه المنطقة، حتى بدأ يفكر بالهجرة، وبالمصالح الشخصية الخاصة؟ هل تغلبت الأنانيات على الأهداف التي ناضل في سبيلها الأباء والأجداد، علما ً بأن العيش من أجل الأهداف هو الذي حفظنا في الوجود حين ذابت أمم كثيرة في هذا الشرق؟!

هذا الكلام يبعد كثيرا ً عن التشاؤم ولكنه يؤكد، في الوقت عينه، على حقيقة ثابتة، وهي أن المسيحي والماروني أقيما في هذه المنطقة، وفي هذا الظرف بالذات، حتى يساعدوا العناية الالهية في عملها الخفي. والتاريخ يعلمنا أن العناية الالهية، ومسيرة التاريخ يرذلان شعوبا ً  أمما ً و يغيبانها من الوجود اذا تخلت عن رسالتها. كما يظهران ويبرزان  أمما ً غيرها، حتى يبقى التاريخ سائرا ً الى الأمام.

فعلى المسيحيين والموارنة  أن يعرفوا  أنهم خاضعون لهذه القاعدة الثابتة، فاذا لم يستفيقوا اليوم ويساعدوا على نشوء نخبة تقود، بتجرد ووفق وعيهم الروحي والتاريخي، فسوف يزولون حتما ً وتحل محلهم شعوب اخرى أكثر كفاءة، تكمل مسيرة المسيحية والتاريخ، في هذا الشرق.

ان هذه الحقيقة، وان شكلت انذارا ً، هي للبنيان لا للهدم، وها هي الشعوب الشرقية بدأت تنتفض، ولا بد من أن تلاقي الخط الصحيح والباني للمفهوم الانساني.

فلا يكفي التغني بالتاريخ والماضي، بل الأهم خلق مجتمع جديد يكمل عمل التاريخ، وهذا ما لا نراه واضحا ً في طريقة عيشنا وتربيتنا لذا فكرت أن أنعش الذاكرة وأكرر بعضا ً مما عانيته وعبرت عنه في محاضرت أو مقالات سابقة، متسائلا ً عن صحة وسلامة الأسس التي بني عليها لبنان، لا لنقضها بل لؤاكدها من جديد للانسان السياسي الذي أفسدها وجعلها تبان غير صالحة.

كما دعوت لنخبة جديدة من القادة والمفكرين، قادرة ومجردة، تدرس بالعمق وضع لبنان في أسسه القديمة، بالمقابل مع التطورات الجديدة، الفكرية والاجتماعية، في ضوء الأزمات الحاضرة للمنطقة، كما توجهت أخيرا ً الى اللبنانيين بسؤال وأمنية:

وهو السؤال الذي يطرحه اللبنانيون اليوم عندما يرون الأزمات تتوالى والأعاصير تعصف من كل جهة وصوب، وأركان البيت تتزعزع، والمبادرات الخجولة تنهار، ولا حلول، ولا من يتطوع لاطفاء الحريق وتخليص البلد من الأزمات الداخلية والخارجية: هل انقضى عهد الكبار الذين صنعوا الاستقلال وضحوا بذواتهم؟

يقول الدكتور شارل مالك في محاضرة ألقاها في جامعة الروح القدس بعنوان .. الطاقات المارونية في لبنان والعالم ,, سنة 1974، “الذي يبتدىء بلبنان، كما ابتدأ به أنا، لا يسعه الا أن يحب المارونية من الأعماق. فمما لا جدل فيه، أنه لولا المارونية لما وجد لبنان… كلنا مسؤلون عن لبنان… غير أن الموارنة مسؤلون بشكل خاص وفي الدرجة الأولى، فان توانوا، وقعنا جميعا ً في الخيبة والحيرة والبلبلة، وان حزموا أمرهم وقادوا، اشتدت عزيمتنا وصرنا جميعا ً صفا ً واحدا ً متراصا ً. مطلقا ً أن اللبناني اللا ماروني غير مدعو لأن ينافس الموارنة في المسؤلية التامة عن هذا المصير…”

أما الأمنية فقد استوحيتها من المفكر الأفريقي /  Leopold Sedar Senghorالذي قال: “اعتنقت اللغة الفرنسية لغة حضارة لأخرج العالم الأسود الثقافي من المتحف…” أما نحن فبفضل المثابرة والجهاد، كما بمساعدة فرنسا، قد خرجنا من المتحف، منذ زمن بعيد، وهذا الخروج يحتم علينا ويحرجنا أن نعمل بجد واخلاص للمساعدة في اطلاق المحيط من المتحف، لئلا يجرفنا المحيط الى متحف التاريخ ليكمل هذا التاريخ السائر الى الأمام الأعمال المهمة والخلاقة التي لم تبلغ كمالها…

وفي احدى محاضرتي التي كتبتها في بدء مسيرتي الملتزمة بالشؤون الوطنية قلت، بعد أن سيطرت علي مسحة من التشاؤم:

لن أترك المنبر قبل أن أشرع بابا ً يتعدى الأفراد والجماعات وغاياتهم وطموحاتهم الزمنية وكنت أعيش واعيا ً تمام الوعي أزمة لبنان.

أنا لن أستلهم في جوابي هذا أزمة لبنان اليوم، مخافة أن يخيب أملي غدا ً، جوابي سأستوحيه من الحقائق الأزلية.

فالتاريخ في أبعاده القصية هو ديني، والعناية الالهية تهزأ من مخططاتنا وتصوبها نحو كمال خطتها، لأن فكرة مصير الأمة، كما قال المفكر الروسي   Vladimir Soloviev”ليست فيما تسعى اليه في الزمن بل في ما أعدت له منذ الأزل”، لأن الله، كما يقول الكتاب المقدس، يخلق من الحجارة من يكمل مخططه.

لبنان  الموارنة الى أين؟

اما نخبة تقود بتجرد، أو نزوح الى متحف التاريخ!

الأباتي بولس نعمان

الكسليك، في 9 شباط 2014

Additional information

Weight 0.6 kg